السيد محمد حسين فضل الله

309

من وحي القرآن

الأسباب الموجودة منتجة للخير ، وقد تكون شرّا عندما تلتقي بأسباب الشر ، وليست واردة في مجال الحديث عن اعتبار الواقع صورة للإرادة الإلهية التشريعية التي تعبّر عن شرعية الواقع من حيث كونه مظهرا لرضا اللَّه ، فقد أطلق اللَّه للناس أن يأخذوا بالعدل ، وأن يكونوا مع العادلين ، وأن يكونوا مع الساعين نحو إقامة العدل وإسقاط الظلم في الأرض ، وجعل المسألة تابعة لاختيارهم في حركة المسؤولية ، لأن حكمته اقتضت أن يمارس الإنسان القضايا باختياره وإرادته فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ ( 7 ) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ [ الزلزلة : 7 - 8 ] ، وهذا هو ميزان الشرعية في تقويم الواقع . ولكن الناس تركوا هذا الخط الإلهي ، واندفعوا نحو الاختيار السيئ الذي يتناسب مع أطماعهم وشهواتهم ، فخذلوا الحق ، ونصروا الباطل ، وأخذوا بالأسباب الواقعية التي جعلها اللَّه بين أيديهم - في ساحة الواقع - ، فاستعملوها للشر بدلا من الخير ، فكانت النتائج أن الظالمين وصلوا إلى الملك من خلال الوسائل الإلهية التكوينية للنجاح ، بقطع النظر عن المضمون ، فكان أن حصلوا على الملك من إيتاء اللَّه لهم من خلال الأسباب الطبيعية ، لأن اللَّه أجرى الأمور في الكون على أساس حصول المسبب عند إيجاد السبب ، ولكنه لا يمثل إرادة اللَّه في المعنى الشرعي الذي يحبه ويرضاه ، بل هو مناف لها ومنحرف عنها ، ولا يعني هذا عجزا في الخالق وقدرة لدى المخلوق ، ولكنه القانون الطبيعي الذي صنعه اللَّه للوجود ، وجعل للإنسان أن يوجّهه للخير باختياره ، فوجّهه للشر بسوء اختياره عصيانا وانحرافا ، وسيجزيه اللَّه العقاب على ذلك كله . وقد روى السيد ابن طاوس ، كما في تفسير الميزان - أن السيدة زينب بنت علي عليه السّلام ردّت على يزيد منطقه ، فقالت في خطابها له : أظننت يا يزيد حيث أخذت علينا أقطار الأرض وآفاق السماء فأصبحنا نساق كما تساق